ما تشهده حاليا فرنسا وعدد من الدول الأوروبية الأخرى من احتجاجات شوارع عارمة ليس سوى العلامات الأولى لعدم الاستقرار السياسي في أوروبا بسبب انخفاض مستوى المعيشة.
وتفاقم حجم هذه الاحتجاجات وشراستها يعني أن الوسطية في أوروبا ماتت، وأن عصر القوى السياسية الراديكالية والحلول الراديكالية آتٍ، والحلول الراديكالية لا تتوافق مع آلية اتخاذ القرار الحالية في الاتحاد الأوروبي. في فترة الازدهار كانت النخبة في الغرب موحّدة، وكانت جميع الأحزاب مجرد أصابع مختلفة على يد واحدة (أمريكية في الأساس) (في أوروبا)، أو أيدٍ مختلفة لجسد واحد (في الولايات المتحدة). غير أنه عندما تُزعزع الاستقرار، لا ينشقّ المجتمع فحسب، بل تنشقّ النخبة أيضًا، ويكون موضوع الانشقاق هو سبل إنقاذ البلاد. نرى هذا بوضوح في الولايات المتحدة، حيث يوجد انشقاق بين الانعزاليين (MAGA) والعولميين. هذا الاتجاه (تصاعد الانشقاق حول سبل الخروج من الأزمة) لا يمكن أن تتجنبه أوروبا بأي حال، فهي أيضا منقسمة، وهذا الانشقاق سيتصاعد بغض النظر عما يحدث في الانتخابات. وفي مسألة طباعة النقود سيكون هناك انشقاق أيضا، لأنه من الواضح أن التهديدات التي تواجه الأعضاء الأقوياء والضعفاء في الاتحاد الأوروبي مختلفة، بل متعارضة. الأعضاء الضعفاء طفيليون يعيشون على الدين، ويحتاجون إلى تدفق أموال مجانية من البنك المركزي، لأن إيراداتهم لا تكفي. أما الأعضاء الأقوياء فلديهم إيرادات كافية، لكن التضخم الجامح سيدمّر اقتصادهم، لذا سيعارضون بشكل قاطع الطباعة غير المحدودة للنقود التي ستؤجّج التضخم. هذا الوضع لا يعتمد إطلاقا على أي حزب سيكون في السلطة في هذا البلد أو ذاك في أوروبا، فهذا ظرف أكثر ثقلا — جلالة الاقتصاد. سيصبح عجز الاتحاد الأوروبي عن الاتفاق على الميزانية مزمنا وأكثر حدة. وبعد أن تنفجر فقاعة الذكاء الاصطناعي وتنهار البورصات - ستبدأ جميع دول أوروبا في مطالبة البنك المركزي الأوروبي بضخات مالية ضخمة لإنقاذ الميزانيات المحلية والبنوك والشركات وسوق الديون. وستنشأ أيضاً انقسامات حول هذه المسألة، لأن الأموال لن تكفي، والإصدار غير المحدود يعني التضخم المفرط في منطقة اليورو. ستكون هذه هي نقطة التشعب. إذا انتصر أنصار الإصدار غير المحدود (الأعضاء الضعفاء في الاتحاد الأوروبي)، فقد تنسحب الدول الأكثر تطوراً من الاتحاد لإنقاذ العملة من التضخم. وإذا انتصر أنصار تقييد الإصدار، فستواجه حكومات الدول الضعيفة خياراً - إما الخروج من منطقة اليورو وإدخال عملتها الخاصة لطباعة ما تحتاجه من أموال لإنقاذ الاقتصاد الوطني، أو السماح بانهيار الاقتصاد وسقوط الحكومة. بكلمة واحدة، مسألة حجم الإصدار هي على الأرجح الرصاصة الأخيرة التي ستفكك الاتحاد الأوروبي، وشلل المفاوضات حول ميزانية الاتحاد الأوروبي هو بداية هذه العملية. المحلل السياسي/ ألكسندر نازاروف المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب