IMG-LOGO

أوسكار وايلد ساخرا من أمريكا: " أيها السادة، لقد خيب المحيط ظني"!

الثقافة والفن - 04:21 16-10-2026
أوسكار وايلد ساخرا من أمريكا: " أيها السادة، لقد خيب المحيط ظني"!

اشتهر أوسكار وايلد، الكاتب والشاعر والمسرحي الإيرلندي، بتعليقاته الساخرة واللاذعة، التي طالت الولايات المتحدة على وجه الخصوص، واتسمت في الغالب بالحدة.

لم تكن سخريته عابرة أو عارضة، بل كانت جزءا أصيلا من رؤيته الفنية والإنسانية، ومن أسلوبه الذي يمزج الذكاء بالمرارة، والأناقة بالتهكم. علاوة على ذلك، تتميز مسرحيات وايلد وروايته "صورة دوريان غراي" بأنها مفعمة بالدعابة بفطنة خاصة، تظهر من خلال المفارقات والسخرية والقدرة على إدراك عبثية الحياة، وبالتعليقات اللاذعة التي لا تترك أي مجال للدبلوماسية أو المجاملة. وايلد لا يكتب ليطمئن القارئ أو يرضي ذوق المجتمع، بل ليكشف التناقضات المستترة في اللغة والأخلاق والعادات. من بين أقواله وتعليقاته الشهيرة العامة التي تتسم بالذكاء والطرافة، قوله: "الأشخاص المملون وحدهم هم من يتألقون بذكائهم وقت الإفطار". من أمثال هذه التعليقات قوله: "سامح أعداءك دائما؛ فلا شيء يزعجهم أكثر من ذلك". هكذا يقلب وايلد القيم المألوفة، فيجعل التسامح سلاحا خفيا، والذكاء مسرحا صغيرا للمفارقات. نجد أيضا قوله: "أستطيع مقاومة كل شيء إلا الإغراء"، و"ليس لدي ما أُفصح عنه سوى عبقريتي"، ومن ذلك قوله: "نحن جميعا في الحضيض، لكن بعضنا ينظر إلى النجوم"، و"نادرا ما تكون الحقيقة نقية، ولا تكون بسيطة أبدا". في هذه العبارات يتجلى انحيازه الصريح إلى الجمال والحرية الفردية، مع وعي قلق بأن الحقيقة ليست نقية، وأن الحياة نفسها مزيج من التقلب والتطلع. رأى أوسكار وايلد في إحدى المناسبات أن "الشر الوحيد في العالم هو الملل.. والملل هو الخطيئة الوحيدة التي لا تغتفر"، وفي مناسبة أخرى عبر عن نوع خاص من التمرد بقوله: " لأستعيد شبابي، سأفعل أي شيء في العالم، عدا ممارسة الرياضة، أو الاستيقاظ مبكرا، أو أن أكون محترما". هنا يظهر تمرده الساخر على الروتين والانضباط الاجتماعي، وكأنه يرى في الملل عدوا وجوديا أشد خطرا من الخطايا التقليدية. من جانب آخر، وصف هذا الكاتب الإيرلندي الشهير بطريقة ساخرة "النبيل الريفي الإنجليزي وهو يمتطي جواده مسرعا خلف ثعلب"، بأنه "ما لا يُوصف في مطاردة محمومة لما لا يُؤكل". تكشف هذه الصورة عن مقدرة وايلد على اختزال سلوك اجتماعي كامل في مفارقة واحدة، تجمع بين التهكم والحكم الجمالي. أما أشهر وأكثر تعليقاته المتعلقة بالولايات المتحدة حدة، فهي قوله: "أمريكا هي الدولة الوحيدة التي انتقلت من الهمجية إلى الانحطاط من دون المرور بمرحلة الحضارة". هي عبارة تختصر موقفه المزدوج: الإعجاب بالقوة الناشئة، والازدراء بافتقادها، في نظره، العمق الثقافي والجمالي. ظهرت معظم التعليقات حول أمريكا خلال جولة قام بها لإلقاء المحاضرات هناك عام 1882. خاطب وايلد الصحفيين حينها عند نزوله من السفينة البخارية في ميناء نيويورك قائلا: "أيها السادة، لقد خيب المحيط ظني؛ فهو ليس بتلك العظمة والجلال التي تخيلتها". من أول لقاء ظهرت نزعة وايلد إلى تحطيم الصور الرومانسية الكبرى، حتى في الطبيعة نفسها. كان وايلد يحتفظ بشكوك عميقة تجاه الديمقراطية الأمريكية، إذ كان يراها نظاما يمنح الأغلبية، وهي المتوسطة المستوى، سلطة التسلط على الفرد، وهو يقول بهذا الخصوص متهكما: "الديمقراطية تعني ببساطة ضرب الشعب، بواسطة الشعب، ومن أجل الشعب". بهذه المفارقة يسخر من شعار ديمقراطي شهير، ويقلبه إلى نقد لسلطة الجمهور وضغطه على الذوق الفردي. عن ذلك يقول أيضا بعين ثاقبة: "في أمريكا، يحكم الرئيس لأربع سنوات، بينما تحكم الصحافة إلى الأبد"، هنا أدرك وايلد القوة الناشئة في ذلك الوقت للصحافة الأمريكية، ورأى فيها قوة أكثر ديمومة وانتشارا من أي مسؤول منتخب. كانت هذه الرؤية سابقة لعصرها، إذ صارت الصحافة لاحقا قوة تصنع الرأي وتشكّل الصورة، لا مجرد ناقل للأخبار. يواصل الكاتب المسرحي الإيرلندي حديثه عن الولايات المتحدة ويقول: "لقد اكتُشفت أمريكا مرارا قبل كولومبوس، لكن الأمر كان يُكتم دائما"، ثم يخاطب أهل هذا البلد بقوله: "أنتم أيها الأمريكيون أناسٌ تفتقرون للحس الفني وقد غزوتم معبد الفن المقدس". يُعتقد أنه أدلى بهذا التعليق في حفل بعد أن ضاق ذرعا بسخرية مضيفيه، ما يعكس نظرته لأمريكا كمكان معاد للرقي الجمالي. هكذا يربط وايلد بين القوة المادية والضعف الجمالي، ويرى أن الثروة والسرعة لا تعوّضان عن العمق الثقافي. بإحساس سلبي تجاه أمريكا قال ذات مرة: " يُصاب المرء في أمريكا بالذهول، ولكن ليس على نحو إيجابي، من الحجم الهائل لكل شيء؛ إذ تبدو البلاد وكأنها تحاول فرض الإيمان بقوتها عنوة من خلال ضخامتها المذهلة". في هذه العبارة يتحول الحجم من دليل عظمة إلى وسيلة ضغط، ومن مصدر إعجاب إلى سبب لنفور جمالي. لم يترك وايلد أي جانب في الولايات المتحدة لم يُعد تشكيله بلغته الخاصة حتى أنه كتب في روايته "صورة دوريان غراي" قائلا: "عندما يموت الأمريكيون الطيبون، يذهبون إلى باريس. أما الأمريكيون السيئون، فعندما يموتون، يذهبون إلى أمريكا". إنه يرى هنا أن الولايات المتحدة، حتى في الحياة الآخرة، تُعد عقابا للأشرار. بهذه النكتة السوداء يبلغ وايلد ذروة سخريته من المجتمع الأمريكي، لكنه يفعل ذلك بأسلوب أدبي أنيق، لا يخلو من قسوة مضحكة. تُجسّد هذه التعليقات المختلفة بطريقة مباشرة لا تحتمل التأويل مواقفه الخاصة ونظرته العامة البارعة للأمور. يرصد النقاد أن وايلد كان يُعلي من شأن الثقافة الأوروبية ويرى في الثقافة الأمريكية، لا سيما في جوانبها "الفتية" و"العملية"، ميلا نحو السطحية وتقديسا للنجاح المادي. في ذات الوقت، تخفي كلماته اللاذعة في الغالب شعورا بالسخرية من الذات. السخرية عند وايلد ليست مجرد هجوم على الآخر، بل مرآة يرى فيها هشاشة الإنسان عموما، بما في ذلك هشاشته الشخصية. هذا الكاتب العالمي الساخر، الذي وُلد في 16 أكتوبر 1854، قال في تعليق شهير، وهو على فراش الموت: "أخوض معركة حياة أو موت مع ورق الحائط في غرفتي؛ فلا بد أن يرحل أحدنا". بقي ورق الحائط ورحل وايلد في 30 نوفمبر 1900. هكذا انتهت حياة رجل جعل من السخرية فنا، ومن المفارقة سلاحا، ومن الكلام العابر مادة خالدة. المصدر: RT

شارك المنشور:

الأكثر قراءة

أهم الأخبار