تتميز البيوت الخشبية التقليدية في القرى الروسية بإطارات نوافذ مزخرفة تعرف باسم "ناليشنيكي"، تجمع بين الوظيفة العملية والزخرفة الفنية.
وتؤدي إطارات النوافذ الخشبية وظيفتين أساسيتين: سد الفجوات بين إطار النافذة وجدار البيت لمنع تسرب الهواء البارد، وإبراز النوافذ وإضفاء طابع زخرفي على واجهات المباني. وعلى مدى فترة طويلة، كان الجانب الجمالي هو الوظيفة الأساسية لهذه العناصر المعمارية.
وقال إيفان خافيزوف، المصور الذي أسس المتحف الافتراضي "Nalichniki.com"، إن إطارات النوافذ ظهرت في البداية بوصفها عنصرا من عناصر العمارة الحجرية الأوروبية، وانتقلت إلى روسيا مع بدء استقدام المعماريين الإيطاليين.
وأوضح خافيزوف، الذي يتنقل منذ عام 2007 في أنحاء روسيا بحثا عن نماذج مميزة من هذه الزخارف، أن من أوائل المباني الروسية التي ظهرت فيها إطارات النوافذ الحجرية كنيسة الصعود في كولومينسكويه وبرج أجراس إيفان الكبير داخل الكرملين، وذلك في مطلع القرن السادس عشر.
أما إطارات النوافذ الخشبية، فقد ظهرت في مرحلة لاحقة، ابتداء من القرن السابع عشر تقريبا، مع انتشار النوافذ الزجاجية في روسيا. وقبل ذلك، كانت النوافذ صغيرة الحجم، وتغلق بمصاريع خشبية للحفاظ على حرارة المنازل ومنع تسربها إلى الخارج.
وكان عدد النوافذ في المنزل مؤشرا على الوضع المادي لصاحبه؛ فكلما زاد عددها، دل ذلك على ارتفاع مستوى معيشته. ومع تطور صناعة الزجاج في روسيا منذ عهد بطرس الأكبر، بدأت النوافذ الزجاجية تنتشر تدريجيا، أولا في منازل الطبقات الميسورة، ثم في بيوت الفلاحين.
وكانت الفجوات بين إطار النافذة والجدار تملأ بمواد ليفية تستخدم لسد الشقوق ومنع تيارات الهواء البارد، ثم تغطى بألواح خشبية. ويرجح خافيزوف أن الفلاحين استلهموا زخارف النوافذ من منازل النبلاء والبويار، لكنهم استخدموا الخشب بدلا من الحجر لارتفاع تكلفة الأخير.
وقال خافيزوف إن الأمر كان بمثابة نقل للعمارة الأوروبية إلى الواقع الروسي، حيث أعيد تنفيذ النماذج الحجرية باستخدام الخشب بما يتناسب مع المواد المتاحة وتقاليد البناء المحلية.
وفي البداية، اتبعت زخارف النوافذ القواعد المعمارية الإيطالية، إذ كانت تتضمن على الجانبين إفريزا علويا ذا قوس مقطع، وفي الوسط إفريزا مثلث الشكل. ومع مرور الوقت، انتشرت نماذج متشابهة في مناطق مختلفة من البلاد. أما في المنازل التي يعود تاريخها إلى مطلع القرنين التاسع عشر والعشرين، فلا تزال آثار التقليد الإيطالي واضحة في مدينة سيفسك بمقاطعة بريانسك.
وفي جنوب روسيا، لم تقتصر الزخرفة على إطارات النوافذ، بل شملت أيضا المصاريع الخشبية المطلية أو المنحوتة، وهو ما يرتبط بكثرة الأيام المشمسة في تلك المناطق.
ويرى خافيزوف أن أكثر نماذج النحت الخشبي تعقيدا يمكن العثور عليها في مدن وقرى سيبيريا. ويوضح أن سيبيريا كانت بالنسبة إلى روسيا بمنزلة ألاسكا، إذ شكلت منطقة لاستخراج الذهب اتجه إليها كثيرون سعيا إلى الثراء.
وأضاف أن أصحاب المنازل هناك كانوا يستعينون بنحاتين من سانت بطرسبورغ لتزيين بيوتهم. وتميزت قصور سيبيريا بضخامتها، وبنوافذ قد يبلغ حجمها ضعف حجم النوافذ العادية، ما أتاح مساحة أكبر لتنفيذ زخارف شديدة التعقيد والتنوع.
كما وفرت المنطقة المواد المناسبة لهذا النوع من الأعمال، إذ تعد الأخشاب المستخرجة من الأشجار الصنوبرية الغنية بالراتنج من أفضل المواد المستخدمة في صناعة إطارات النوافذ.
وكانت الزخارف البارزة والمنحوتة شائعة في سيبيريا ونيجني نوفغورود، في حين انتشرت في مناطق أخرى الزخارف المفرغة التي ينحت فيها الخشب بطريقة تشبه الدانتيل.
ولا تزال نماذج لافتة من هذا النوع محفوظة في بورياتيا وأودمورتيا وتشوفاشيا وتتارستان، وكذلك في مناطق غوسليتسي وتالدوم وكيمري بمقاطعة موسكو.
وتكشف معاينة النقوش عن أشكال متنوعة، من بينها الزهور واللفائف الحلزونية والنجوم والطيور. ويربط بعض الناس هذه الزخارف بمعتقدات شعبية تتعلق بالحماية من "العين الشريرة"، لكن خافيزوف يشير إلى أن الإشارات الأولى إلى هذا التفسير لم تظهر إلا في ثمانينيات القرن العشرين.
كما أن تشابه النقوش بين مناطق مختلفة يسكنها أتباع ديانات متنوعة يضعف، بحسب رأيه، فكرة ارتباطها جميعا بمعتقدات محددة. أما الحرفيون الذين ينفذون هذه الأعمال، فيرون أن وظيفتها الأساسية زخرفية.
وقال ألكسندر سالتيكوف، وهو نجار محترف من موسكو، إن التعاونيات الحرفية كانت تتولى في الماضي صناعة إطارات النوافذ، وكانت تنقل النماذج الزخرفية من مكان إلى آخر من خلال تقليد بعضها بعضا، ما ساعد على انتشار التصاميم في أنحاء البلاد.
وانتقلت النقوش من جيل إلى آخر، فيما استمد الحرفيون أفكارهم من أشياء الحياة اليومية، مثل التطريز وورق الجدران وأغلفة الصابون والزبدة، في ظل غياب المجلات المتخصصة في التصميم المعماري عن حياة الفلاحين.
وخلال الحقبة السوفيتية، ظهرت إطارات نوافذ تحمل رموز المطرقة والمنجل، إلى جانب صور جوزيف ستالين. أما اليوم، فقد اتسع المجال أمام الحرفيين لاستخدام تصاميم أكثر حرية، تمزج بين عناصر وأساليب فنية مختلفة.
ويذكر خافيزوف أنه عثر في قرية نافاشينو بمقاطعة نيجني نوفغورود على منزل تحمل إطارات نوافذه رموزا كنسية، بينما وجد في مدينة بيرم نموذجا آخر مزينا بأشكال أوراق اللعب.
من جهته، قال سالتيكوف إن الحرفيين يمزجون اليوم بين عناصر وأنماط متنوعة، تمتد من الفن الحديث إلى الكلاسيكية. وأضاف أن الاهتمام بالإبداع يتزايد، وأن المشاركين في دوراته التدريبية يرغبون في تعلم ترميم إطارات النوافذ الريفية القديمة بأنفسهم أو صنع نماذج جديدة لمنازلهم، حتى عندما لا تكون هذه الإضافات ضرورية من الناحية العملية.