استعرض خبراء في أحاديث إلى RT نشأة الغرافيتي وفن الجداريات، وأسباب الجدل حول الرسوم على الواجهات، والحدّ الفاصل بين التعبير الفني وإتلاف الممتلكات.
يمكن لفن الشارع أن يحوّل جدارا عاديا إلى معلم يجذب السياح ويغيّر ملامح حيّ بأكمله، لكنه يثير أيضا استياء السكان الذين يرون فيه أحيانا تشويها للمباني. وبينما بدأ فنانون معروفون بالغرافيتي غير القانوني مسيرتهم على الجدران والشوارع، يعمل كثير منهم اليوم بتكليف من السلطات المحلية.
من نيويورك إلى المكسيك تشكّلت ثقافة الغرافيتي الحديثة في الولايات المتحدة خلال ستينيات القرن العشرين، حين بدأ شبان في نيويورك وفيلادلفيا يكتبون أسماءهم على الجدران وعربات المترو. ومع تطور الأساليب، أصبح الغرافيتي ثقافة فرعية ارتبطت ارتباطا وثيقا بالهيب هوب. أما فن الجداريات بوصفه اتجاها فنيا، فقد ازدهر في المكسيك خلال عشرينيات القرن الماضي، بعد الثورة المكسيكية، حين استخدم الفنانون الجدران العامة لتناول القضايا الاجتماعية. ومن أبرز ممثليه دييغو ريفيرا، زوج الفنانة فريدا كاهلو. وبخلاف الغرافيتي الذي يُنفّذ تاريخيا في كثير من الأحيان من دون إذن أصحاب الممتلكات، تُنجز الجداريات عادة وفق مخططات مسبقة وبموافقة الجهة الطالبة. لكن الاتجاهين يتداخلان، وفق سابينا تشاغينا، القيّمة الفنية ومؤسسة منصة "سابستانتسيا" وإحدى مؤسسي بينالي فن الشارع "أرتموسفيرا".
وأوضحت أن كثيرا من الفنانين الذين ينفّذون اليوم جداريات ضخمة بدأوا بكتابة الغرافيتي، واكتسبوا خلال السنوات الماضية خبرة في العمل على المساحات الكبيرة. ومن أبرز الأسماء المعروفة عالميا الفنان المجهول الهوية بانكسي، الذي تتناول أعماله قضايا اجتماعية وسياسية. أما في روسيا، فتشمل الأسماء البارزة ديمتري أسكي وميشا موست وأندريه بيرغر وأليكسي لوكا وفلاديمير أبيخ.
كيف تصبح الجداريات معالم للمدينة؟ تسهم الجداريات في تشكيل البيئة الحضرية، وقد تتحول إلى مقاصد سياحية. ففي يكاترينبورغ يُنظّم مهرجان "ستينوغرافيا" منذ عام 2010، فيما تشتهر نيجني نوفغورود بأعمال الفنان نيكيتا نوميرز، وتظهر جداريات جديدة في بيرم أيضا. وتندرج الجداريات والفسيفساء التي تزيّن مباني الحقبة السوفياتية ضمن أشكال الفن الجداري المرتبط بالعمارة. وأشارت تشاغينا إلى أن هذا الفن ظهر مع انتشار العمارة الحديثة، التي خلّفت جدرانا صمّاء تحوّلت إلى مساحات للأعمال الفنية. ولا يقتصر الفن الجداري على الواجهات، بل يشمل أيضا محطات المترو والسكك الحديدية وغيرها من الأماكن العامة. لينين على جدار مركز روكفلر شهدت نيويورك عام 1933 واحدة من أشهر النزاعات حول الفن الجداري، حين كلّف مجمّع مركز روكفلر الفنان المكسيكي دييغو ريفيرا برسم لوحة "الإنسان على مفترق الطرق"، التي تناولت مسارات التطور والصراع بين الرأسمالية والاشتراكية. وأثار إدراج ريفيرا صورة فلاديمير لينين في اللوحة اعتراض الجهة الطالبة. وعندما رفض الفنان استبدال الصورة، أُوقف عن العمل ودُمّرت اللوحة. وأعاد ريفيرا تنفيذ التكوين لاحقا في مكسيكو سيتي تحت عنوان "الإنسان متحكّما بالكون". وتوضح هذه الواقعة كيف يمكن لموقف الجهة المكلّفة أن يحدد مصير العمل الفني، بصرف النظر عن قيمته. أما اليوم، فتواجه الجداريات مخاطر أخرى، من بينها ترميم المباني وتغيير استخداماتها أو عدم النصّ على الحفاظ على الأعمال أثناء إعادة البناء. وأكدت تشاغينا أن تنفيذ جدارية كبيرة من دون موافقة يكاد يكون مستحيلا في كثير من الحالات، بسبب تكاليف المعدات والرافعات اللازمة. ومع ذلك، قد تتعرض حتى الأعمال المعروفة للإزالة إذا لم تُحمَ خلال أعمال الترميم. في المقابل، يظل الغرافيتي غير القانوني موضع خلاف، خصوصا عندما يظهر على المباني التاريخية أو الأسوار ومنشآت البنية التحتية. وتفرض دول كثيرة غرامات وعقوبات على إتلاف الممتلكات. وفي سبتمبر 2026، اقترح رئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف حظر الغرافيتي في البلاد، ووجّه سلطات أستانا إلى اتخاذ إجراءات بحق من يرسمون على مرافق المدينة. وترى تشاغينا أن الغرافيتي والجداريات الرسمية مجالان مختلفان، وإن كان الفنان نفسه قد يعمل في كليهما. وأضافت أن بعض المدن توفر مساحات مخصصة للرسم وتنظم مهرجانات تتيح للفنانين ممارسة أعمالهم. ## مدونة شرف فناني الشارع لا يقتصر الغرافيتي على الكتابة على الجدران، بل يستند إلى ثقافة فرعية لها قواعد غير مكتوبة. ومن أبرز هذه القواعد عدم إفساد أعمال الآخرين. وقال فنان الشارع ميشا موست، المعروف بتنفيذه أعمالا جدارية ضخمة، إن "احترام عمل الفنان الآخر من أهم القواعد الشائعة في هذا المجال"، مشيرا إلى اختلاف التقاليد من بلد إلى آخر. وعن الحدّ الفاصل بين الفن والتخريب، قال موست إن "التخريب هدم، والفن بناء"، معتبرا أن بعض الفنانين قد يصنعون الجديد عبر هدم القديم، لكن ذلك يتطلب فعلا إبداعيا حقيقيا. وحذّر من أن الغرافيتي غير القانوني قد يُعدّ إتلافا للممتلكات من الناحية القانونية، حتى لو رأى صاحبه فيه تعبيرا فنيا. كما شكّك في اعتبار كل جدارية رسمية عملا فنيا بالضرورة، موضحا أن بعض الجداريات ذات الرسائل الاجتماعية تُنفّذ وفق مخططات جاهزة، وتقترب في طبيعتها من الإعلان الاجتماعي أكثر من الفن المستقل. في المقابل، ترى تشاغينا أن الغرافيتي تجاوز منذ زمن حدود الثقافة الفرعية، بعدما انتقل فنانون بدأوا أعمالهم في الشوارع إلى المعارض وصالات العرض والمتاحف، وأصبحت أعمالهم جزءا من سوق الفن المعاصر.
المصدر: RT