IMG-LOGO

تسونامي بلا زلزال!

أخبار العالم - 07:26 09-10-2026
تسونامي بلا زلزال!

شهدت منطقة في شمال إيطاليا في التاسع من أكتوبر عام 1963 موجة تسونامي عاتية تكوّنت بطريقة غير طبيعية، إذ لم تسبقها زلازل ولا هزات أرضية قوية.

لم تكن هذه الموجة ناتجة عن نشاط زلزالي في قاع البحر، بل عن انهيار أرضي هائل حدث داخل خزان سد جبلي، فحوّل المياه الهادئة إلى جدار مدمّر اجتاح الوادي في دقائق معدودة. تُعرف هذه الكارثة باسم كارثة سد فاجونت، وتُعد من أخطر الكوارث الطبيعية-التقنية في القرن العشرين. السد والخزان: مشروع قياسي ومخاطر مكبوتة في ذلك اليوم، تسبب انهيار أرضي عند سد فاجونت في مقاطعة بيلونو بشمال إيطاليا في حدوث موجة تسونامي هائلة دمّرت عدة قرى، وأسفرت عن مقتل ما يقرب من ألفي شخص. كان سبب الكارثة انهيار كمية هائلة من الصخور من منحدر جبل توك إلى حوض خزان السد، الذي كان عند تشييده يُعد الأعلى في العالم. قُدّر حجم الانهيار الأرضي بنحو 270 مليون متر مكعب، وهو رقم ضخم يوضح حجم القوة التي انطلقت نحو المياه. بدأ المنحدر في التحرك وسط هطول أمطار مستمرة وسلسلة من الهزات الأرضية الطفيفة. كان الخبراء قد حذروا من عدم استقرار الجبل قبل وقوع الكارثة؛ ففي عام 1959، وعقب انهيار أرضي أولي، حدد الجيولوجيون مخاطر جسيمة. في عام 1962، أشارت النماذج التحليلية إلى أن انهيارا كهذا سيؤدي إلى فيضان كارثي. مع ذلك، تجاهلت إدارة شركة "سادي" هذه النتائج، مفضلة المصالح الاقتصادية وخطط تأميم قطاع الطاقة، وجرى في وقت لاحق نقل ملكية السد إلى شركة أخرى. لحظة الانهيار: 45 ثانية غيّرت الوادي لم تكن هذه الموجة العملاقة ناجمة عن انهيار السد نفسه، بل تسببت فيها ظاهرة انزلاق أرضي انحدرت من جبل توك مباشرة نحو خزان المياه. في غضون 45 ثانية تقريبا، أدى الانهيار الأرضي إلى إزاحة كمية هائلة من المياه. في البداية، اندفعت الموجة لتتجاوز قمة السد، حيث وصل ارتفاعها، وفق تقديرات بعض المصادر، إلى 250 مترا فوق مستوى سطح الخزان. ثم، وبعد ارتدادها إلى الحوض وتجاوزها حافة السد، اندفعت كتلة المياه الهائلة عبر المضيق الضيق. لم تكن هذه موجة عادية، بل كانت "موجة راكدة متذبذبة"، وهي نوع خاص من الموجات الراكدة التي تتشكل في حيز مغلق، ويمكن أن تكون أعلى بكثير من الموجات العادية. نظرا لأن الوادي كان محاطا بالجبال، فإن كتلة المياه الهائلة، التي بلغت 50 مليون متر مكعب، لم تنتشر ببساطة، بل شكلت جدارا مائيا ضخما بارتفاع 70 مترا اجتاح الأرض بقوة مدمّرة، فيما يشبه آلة دهس قاتلة. الدمار: قرى تُمحى في سبع دقائق في صباح ذلك اليوم، مُحيت خمس قرى تقع في وادي نهر فاجونت بشمال إيطاليا عن بكرة أبيها في غضون سبع دقائق فقط، حيث جرفتها موجة هائلة. من بين هذه القرى: لونغاروني، وبيراغو، وريفالتا، وفيلانوفا، وفايي. كما لحقت أضرار جسيمة بالعديد من التجمعات السكنية الأخرى. تراوحت تقديرات عدد الضحايا بين 1900 و2500 قتيل، مع إشارة بعض المصادر إلى رقم 3000 قتيل، ولم يتم التعرف على هوية جثث العديد من الضحايا. التحقيق والمسؤولية أدرجت منظمة اليونسكو في عام 2008 هذه الحادثة ضمن قائمة أكبر خمس كوارث طبيعية-تقنية في القرن العشرين. أشار التقرير إلى أن المأساة نجمت عن فشل المهندسين والجيولوجيين في استيعاب طبيعة عدم استقرار المنحدر بشكل كامل. من العوامل التي ساهمت في تفاقم الكارثة، عدم تحذير سكان القرى المجاورة أو إجلائهم. قضت محكمة بسجن عدد من المسؤولين لفترات قصيرة، فيما أقدم أحد المهندسين على الانتحار لعجزه عن تحمل عبء الشعور بالذنب. ما بعد الكارثة: سد صامد وذاكرة مفتوحة كانت عواقب هذه الكارثة هائلة بالفعل، ليس فقط من حيث الخسائر البشرية، بل أيضا من حيث التحولات التي طرأت على المنطقة نفسها. أما بالنسبة لخزان السد فقد زال تماما، إذ امتلأ بحطام الصخور بدلا من المياه. مع ذلك، ظل السد صامدا؛ فلم تلحق به موجة التسونامي العملاقة أي أضرار تُذكر، باستثناء تدمير جزء من البناء الحجري لا يتعدى مترا واحدا من الطبقة الخرسانية العلوية عند القمة. العبرة: عندما تجتمع الطبيعة مع الخطأ البشري هذه الكارثة تعد مثالا صارخا على الطريقة التي يمكن أن تجتمع فيها العوامل الطبيعية والأخطاء البشرية، ليؤدي كل ذلك إلى كارثة هائلة. كانت بمثابة درس في الممارسة الهندسية، يظهر بوضوح عواقب تجاهل المخاطر الجيولوجية في مشاريع البناء الضخمة. دفعت الكارثة المتخصصين حول العالم إلى إعادة النظر جذريا في أساليبهم لتقييم استقرار المنحدرات القريبة من الخزانات المائية. محصلة القول إن كارثة فاجونت تظل تذكيرا صارخا بالمخاطر الكارثية لأمواج التسونامي الناجمة عن الانهيارات الأرضية، حتى في المناطق غير المعرضة لأمواج التسونامي الناتجة عن النشاط الزلزالي. المصدر: RT

شارك المنشور:

الأكثر قراءة

أهم الأخبار