في زمن مضى، حيث كانت حضارة المصريين القدماء تبني أمجادها على ضفاف النيل، عاش رجل اسمه "بانيب" ترك وراءه سجلا استثنائيا من الأفعال التي جعلته، ربما، أول شرير مُسجَّل في التاريخ.
كان هذا الرجل يعاني من اضطراب واضح في الشخصية، وفقا لتقدير خبراء العصر الحديث. لقد نشأ يتيما في سن مبكرة، ليتولى رعايته "نفر حتب"، الذي كان رئيسا لوالده ولم يُرزق بأطفال، فتبناه وأحسن تربيته. لكن هذه البداية التي توحي بالرحمة لم تكن نبوءة على مستقبل مشرق، بل كانت مقدمة لحياة حافلة بالشرور والانتهاكات التي سجّلتها بردية فريدة من نوعها. صعود في المناصب والإجرام مع نضوجه، صعد بانيب في المناصب كما صعد في الإجرام، فصار رئيسا لعمال البناء، بل وحتى قاضيا، وهو منصب يقتضي الحكمة والنزاهة. لكنه حوّل كل سلطة مُنحت إليه إلى أداة للقمع والاستغلال. فبالإضافة إلى مهامه الرسمية، عاش مع زوجات عماله، واغتصب النساء، وألقى الحجارة على المارة وهو جالس على الحائط متلذذا بالأذى الذي يسببه. بل إن شروره تجاوزت حدود الأحياء فامتدت إلى الموتى، إذ دنس المقابر الملكية المقدسة، وسرق منها حتى أشياء تبدو صغيرة كإوزة محنطة، في تحد صارخ لنظام الكون والقيم التي آمن بها مجتمعه. بردية الملح رقم 124 لم تكن الجرائم التي ارتكبها بانيب خفية أو متسترا عليها، بل وثّقها عامل اسمه "أميناخت" في بردية شهيرة تُعرف باسم بردية الملح رقم 124، والتي وجّهها إلى الوزير مطالبا فيها بإنزال عقوبة رادعة بهذا الرجل الذي تجرأ على كل شيء. كشفت هذه البردية عن فساد منهجي: فقد أساء بانيب استغلال منصبه، ورشا الوزير السابق بخمسة عبيد كانوا ملكا لأبيه بالتبني نفسه، ليحصل على منصب رئاسة العمال ويتفوق على منافسه. كما استخدم عمال الدولة ومواردها، مثل نقل الحجارة من موقع بناء الفرعون، لأعماله الخاصة. لم يقتصر شره على نهب موارد الدولة، بل تعداه إلى سرقة الأحجار والأدوات من مواقع بناء المقابر الجديدة، بل واقتحم المقابر القديمة المختومة ليسلب محتوياتها. العنف والتهديدات لم يكن العنف الجسدي بعيدا عن هذه الشخصية المعقدة، فقد هدد زملاءه بالقتل، وقال ذات مرة لرئيس عمال آخر بعد مشادة كلامية: "سأهاجمك في الجبال وأقتلك". يذكر أميناخت أن بانيب قتل بالفعل عددا من القرويين الذين تجرأوا وأرادوا إبلاغ السلطات عن جرائمه. حدث ذلك في مجتمع كانت الحياة البشرية فيه تُعتبر هبة مقدسة من الآلهة، وكان القتل يُعتبر انتهاكا صارخا للقانون الإلهي والأرضي، تستوجب عقوبته الموت، ليس انتقاما، بل لاستعادة التوازن الكوني المقدس الذي أخلّ به الجاني. الوجه الآخر: مواطن تقي؟ لكن الصورة ليست بهذا السواد الكامل في كل المصادر. بانيب المذكور في 32 أوسراكون (شظايا فخارية تسجيلية) وبرديات أخرى، يظهر كمواطن تقي وجيد، متزوج وأب لعشرة أطفال، وعضو نشط في مجلس شيوخ القرية، بل ويجلس في جلسات المحكمة برفقة زوجته. هذه التناقضات الحادة تطرح تساؤلات كبيرة عن طبيعة هذه الشخصية وعن دوافع كاتب الشكوى، أميناخت. لو لم يعثر البريطاني هنري سولت على بردية الملح رقم 124 في دير المدينة عام 1816، لطُمست هذه الصورة المظلمة، وبقيت الصورة المشرقة فقط. تفاصيل الشكوى تفاصيل الشكوى تكشف عن عداء شخصي عميق. فبانيب، وفق البردية، لم يكتف بجرائمه الكبرى، بل مارس أنواعا من الإذلال والاستغلال اليومي: أجبر عاملا على صنع سرير من الخيزران لكاهن معبد آمون، وأرغم عاملا آخر يدعى نيبنيفر على رعاية ثوره الشخصي لمدة ثلاثة أشهر، بينما كانت زوجات العمال منشغلات في نسج الملابس له. أما علاقته بزوجات عماله، فكانت فاضحة، إذ "عاشر" ثلاث نساء منهنّ بالاسم: تويا وهيل وأوبت ابنة هيل. كانت هذه العلاقات علنية لدرجة أن ابنه آبيشت لم يتحمل العار وتحدث عن مغامرات والده الغرامية. العنف الأسري والجنسي يصل الأمر إلى ذروة العنف الأسري والجنسي عندما ينقل المؤرخ الفرنسي باسكال فيرنوس عن نفس الوثيقة أن بانيب "مزق ملابس امرأة تدعى إياماو، وألقاها على الحائط واغتصبها". كما يظهر بانيب في الوثيقة كشخص غير قادر على كبح جماح غضبه حتى تجاه أبيه بالتبني، فقد طارده وهدده بالقتل، وأغلق الأبواب وحطّمها بحجر، ووضع حراسا على نفر حتب لأنه أقسم على قتله ليلا، وضرب تسعة أشخاص في تلك الليلة المشحونة. تدنيس المقدسات ازدادت جرأته في تدنيس المقدسات، فسرق عربة ونبيذا وبخورا من مدفن فرعون، وجلس على تابوت حجري لفرعون آخر ليشرب النبيذ المسروق مباشرة منه، في فعل يرمز إلى احتقاره الكامل لكل ما يُعتبر مقدسا. هذه التصرفات جعلت عالم المصريات الأمريكي جون ألبرت ويلسون يشكك في بعض ما ورد، ويرى أن البردية مكتوبة بطريقة غير متماسكة، تحمل طابع الشكوى العفوية المليئة بالحقد والغيرة، وأن بعض التفاصيل (كمعاشرة ثلاث نساء) هي من النمط التقليدي في اتهامات السلوك غير الأخلاقي. بل إن الدافع وراء الشكوى قد يكون شخصيا بحتا، إذ أن بانيب استحوذ على منصب كان أميناخت يطمع فيه، كما تم منعه لاحقا من استخدام حرم المعبد للاحتفال بالأعياد، ما زاد العداوة. النهاية الغامضة في النهاية، يختفي اسم بانيب فجأة من السجلات بين عامي 1193 و1185 قبل الميلاد. هناك شظية فخار تعود لحوالي عام 1180 قبل الميلاد تشير إلى إعدام عميد معين في دير المدينة. هل كان هذا العميد هو "بانيب" نفسه الذي طغى وتجبر؟ التاريخ لا يحدد اسما. لكن قصة بانيب تبقى شاهدة على تعقيد النفس البشرية حتى في أقدم العصور، وعلى أن الشر والفضيلة يمكن أن يتعايشا في شخص واحد، كما تبقى البردية رقم 124 شهادة نادرة على الصراع بين الفرد والنظام، وبين الفساد والعدالة، في مجتمع نظُنّه أحيانا بسيطا، بينما كان يعج بالقصص الإنسانية المعقدة والمأساوية التي لا تختلف كثيرا عن عصرنا. المصدر: RT