يسلط معرض في متحف بوشكين بموسكو الضوء على غوستاف فاييه، الجامع الفرنسي الذي أسهم في انتقال أعمال غوغان وفان غوخ إلى مجموعتي شتشوكين وموروزوف الروسيتين.
فبعد خمسة أعوام على المعرض الباريسي "أيقونات الفن الحديث"، الذي استقطب نحو مليون ونصف مليون زائر في دورتيه عامي 2016 و2021، قرر القائمون على المعارض استكمال الحكاية التي تناولت مجموعات جامعي الأعمال الفنية الروسيين شتشوكين وموروزوف، من خلال تسليط الضوء على شخصية فرنسية ارتبطت بهما ارتباطا وثيقا، هي غوستاف فاييه. وتتزامن إقامة معرض صغير في متحف بوشكين الحكومي للفنون الجميلة في موسكو مع معرض واسع مخصص لفاييه في باريس. ورغم تعذر تبادل القطع الفنية بين المتاحف الروسية والفرنسية في الوقت الراهن، فإن المؤسستين اختارتا إقامة المعرضين بالتوازي، في إشارة رمزية إلى الروابط الثقافية التي جمعتهما. ويبرز في هذه المبادرات أندريه مارك ديلوك-فوركو، حفيد سيرغي شتشوكين، الذي اهتم بإعادة إحياء سيرة فاييه والتعريف بدوره. من تجارة النبيذ إلى جمع الأعمال الفنية ينحدر غوستاف فاييه من عائلة فرنسية عملت في صناعة النبيذ وزراعة الكروم في منطقة لانغدوك روسيون، بالقرب من مونبلييه جنوب فرنسا. ولم تقتصر اهتمامات العائلة على تجارة النبيذ، إذ دعمت الثقافة والفنون عبر أجيال، وأسهمت في رعاية متحف للآثار في مدينة بيزييه وتنظيم الحفلات الموسيقية والعروض المسرحية. وكان والد غوستاف، غابرييل فاييه، يمارس الرسم الزيتي، وهو ما ورثه عنه ابنه. وتظهر إحدى اللوحات المحفوظة لوالده غوستاف جالسا يقرأ في منزل العائلة، وإلى جواره لوحة ألوان وفرش رسم. غير أن موهبته الفنية لم تتحول إلى مسار مهني إلا في مرحلة متأخرة، بعد أن ارتبط اسمه بأبرز الفنانين الذين مهدوا لظهور الفن الحديث. وجمع غوستاف فاييه بين الاهتمام بالفن وحس رجل الأعمال، وكان شغوفا على نحو خاص بأعمال الرسام الفرنسي بول غوغان. وبعد وفاة الأخير عام 1903، أصبح فاييه أحد أبرز جامعي لوحاته في فرنسا. وانتقل لاحقا من مزارع الكروم التي امتلكها إلى باريس، وحول شقته إلى ملتقى للمهتمين بأعمال الفنان. ومن بين زوار هذا المكان سيرغي شتشوكين، الذي وجد في لوحات غوغان ملاذا من المآسي الشخصية التي رافقت حياته، ومنها وفاة أطفاله وزوجته وانتحار شقيقه. وقال أليكسي بيتوخوف، أمين المعرض والباحث الرئيسي في قسم فنون أوروبا الغربية الحديثة بمتحف بوشكين، إن غوغان مثل بالنسبة إلى شتشوكين نوعا من الهروب إلى عالم إيجابي، مشبها أعماله بالجنة التاهيتية التي تساعد على الابتعاد عن المآسي والانشغال بجمال الحياة. صفقات غوغان وفان غوخ لم يلتق شتشوكين وفاييه شخصيا قبل عام 1908، لكن أعمالا من مجموعة الفرنسي كانت تصل إلى مقتنيات الجامع الروسي بصورة مباشرة أو عبر وسطاء، إذ اعتاد فاييه شراء اللوحات ثم إعادة بيعها بأسعار أعلى. وفي عام 1904، اشترى شتشوكين من مجموعة فاييه لوحة "ساحة في آرل" لفينسنت فان غوخ، وهي اللوحة الوحيدة في أعمال الفنان التي تصور مصارعة الثيران. واستعار متحف بوشكين العمل من متحف الإرميتاج الحكومي لعرضه في المعرض الحالي بموسكو. وتكتسب إعارة اللوحة أهمية خاصة بسبب هشاشتها، إذ نادرا ما تغادر الأعمال الأصلية لفان غوخ المتاحف التي تعرض فيها بصورة دائمة. ولم تغادر هذه اللوحة مكانها منذ 40 عاما، قبل أن تتيح تقنيات الترميم التي طورها مختصون في الإرميتاج نقلها إلى موسكو. لكن القسم الأكبر من الأعمال التي انتقلت من مجموعة فاييه إلى شتشوكين كان من إبداع غوغان. ففي مايو/أيار 1908، التقى الرجلان للمرة الأولى، وطلب شتشوكين شراء لوحتي "جني الثمار" و"الملكة"، اللتين كانتا تحتلان مكانة بارزة في مجموعة الفرنسي. وعرض شتشوكين في البداية 15 ألف فرنك مقابل لوحة "الملكة"، لكن فاييه رفض العرض، فرفع الجامع الروسي المبلغ مباشرة إلى 30 ألف فرنك. وبعد أن طلب فاييه 50 ألف فرنك مقابل اللوحتين، دخل شتشوكين في مفاوضات انتهت بشرائهما مقابل 47 ألف فرنك. وكان هذا المبلغ ضخما بمقاييس ذلك الزمن؛ إذ لم يتجاوز متوسط ما تكسبه الأسرة الفرنسية سنويا نحو 3 آلاف فرنك، بينما كان سعر لوحة غوغان في سوق الفن يتراوح بين 7 و8 آلاف فرنك. وأثار قرار فاييه بيع اللوحتين دهشة أصدقائه، ولا سيما أنه لم يكن ينوي التخلي عنهما. لكنه برر موقفه بأن "الروسي الشغوف" دفع مقابل العملين مبلغا يفوق ما أنفقه هو نفسه على مجموعته الكاملة من لوحات غوغان. وفي خريف العام ذاته، اشترى شتشوكين من فاييه لوحة غوغان الذاتية، ليكتمل بذلك ما وصفه الناقد ياكوف توغندهولد بـ"أيقونسطاس غوغان"، في إشارة إلى اللوحات التي جمعها شتشوكين داخل إطارات ذهبية فخمة في منزله بشارع زنامينكا في موسكو. وكان توغندهولد قد وصف المشهد قائلا إن اللوحات بدت كأنها جدارية واحدة كبيرة أو أيقونسطاس، تتعالى فيها الألوان الزاهية والموسيقى الاحتفالية. ولم تكن هذه الفكرة بعيدة عن طموحات فاييه نفسه، الذي اعترف لغوغان برغبته في جمع أعماله داخل غرفة واحدة، على غرار كنيسة صغيرة. لكن شغفه المستمر بالشراء والبيع أدى إلى بقاء 19 لوحة فقط من أعمال غوغان ضمن مجموعته، وهو عدد يقارب ما جمعه شتشوكين في مجموعته الخاصة. وبعد عامين من بيع لوحتي "الملكة" و"جني الثمار"، باع فاييه لوحة غوغان "طبيعة صامتة مع ببغاوات" مقابل 27 ألف فرنك إلى جامع الأعمال الفنية الروسي إيفان موروزوف. أما لوحة فان غوخ الشهيرة "جولة السجناء"، فقد وصلت إلى مجموعة موروزوف عام 1909، لكن ليس عبر فاييه، بل من خلال جامع الأعمال الفنية موريس فابر. وكان فابر قد عرّف فاييه بأعمال فان غوخ، إلى درجة أن الأخير بدأ يرسم متأثرا بأسلوبه، لكنه رفض مرتين شراء لوحة "جولة السجناء" التي عرضها عليه فابر. وفي النهاية، اشتراها موروزوف مقابل 20 ألف فرنك، بناء على نصيحة الرسام الروسي فالنتين سيروف. من جامع لوحات إلى فنان ناجح كان الجانب التجاري في شخصية فاييه يتغلب أحيانا على شغفه بالجمع والاقتناء؛ فقد كان يجد متعة في شراء الأعمال الفنية وبيعها، ويسجل في دفتر ملاحظاته صفقاته وأرباحه. ونتيجة لذلك، لم يحتفظ ورثته إلا بجزء ضئيل من مجموعته الفنية. لكن إرثه لم يقتصر على اللوحات، إذ تمكن من امتلاك دير فونفرواد القديم، الذي أصبح أحد أبرز مشروعاته الشخصية. وأسهمت الأموال التي حصل عليها، ومنها عائدات بيع أعمال فنية لشتوكين، في تمويل امتلاكه وترميمه. واستثمر فاييه في إعادة تأهيل الدير وتزيينه، وأنشأ لهذا الغرض ورشة للزجاج، واستعان بعدد من الفنانين، من بينهم الرسام الفرنسي الرمزي أوديلون ريدون، الذي كان يحظى بشعبية واسعة بين أوساط المهتمين بالفن في باريس مطلع القرن العشرين. ويخصص معرض متحف بوشكين جدارا كاملا لأعمال ريدون المطبوعة، المعروفة باسم "النوارات"، وهي مطبوعات فنية سوداء كان جامعو الأعمال الفنية يتنافسون على اقتنائها في تلك الفترة. وكان فاييه يجل ريدون إلى درجة أنه لم يكن يجرؤ على ممارسة الرسم في حضوره. لكن بعد وفاة الفنان، عاد إلى الألوان والفرش كما فعل في شبابه، وبدأ في ابتكار زخارف خيالية. وأفضت هذه التجربة إلى تأسيس مصنع للسجاد الفني، حققت منتجاته نجاحا كبيرا، حتى إن الشاعر الفرنسي أندريه سواريز احتفى بتصميمات فاييه، الذي كان قد تجاوز الستين من عمره آنذاك. وهكذا انتهت مسيرة الرجل الذي أمضى سنوات في شراء أعمال كبار الفنانين وبيعها، إلى نجاحه هو نفسه فنانا، في تحول نادر جمع بين عالم التجارة الفنية والإبداع.
المصدر: موقع مترو