في صباح يوم 21 أكتوبر 1966، اهتزت بلدة أبيرفان الصغيرة في جنوب ويلز على وقع واحدة من أقسى الكوارث في تاريخ بريطانيا في زمن السلم.
انهارت كتلة ضخمة من مخلفات منجم الفحم فوق مدرسة بانتغلاس الابتدائية والمنازل المجاورة لها، فخلّفت 144 قتيلا، معظمهم من الأطفال. لم تكن الكارثة قدرا طبيعيا محضا، بل جاءت نتيجة سلسلة من التحذيرات المهملة، والقرارات الإدارية المتراخية، وغياب المساءلة. خلفية الكارثة تقع قرية أبيرفان بالقرب من منجم للفحم، ولعقود من الزمن كانت مخلفات المنجم تُكدّس في أكوام ضخمة على سفح الجبل. وبحلول وقت وقوع المأساة، كانت إحدى هذه الأكوام، وهي "الكومة رقم 7"، قد وصلت إلى ارتفاع يقارب 34 مترا. تمثلت إحدى المشكلات الجسيمة في أن جزءا من هذه الكومة كان قائما على أرض تآكلت بفعل المياه الجوفية. على الرغم من أن لوائح السلامة كانت تحظر ذلك صراحة، فإن موظفي "المجلس الوطني للفحم" تجاهلوا هذا الخطر. الأمطار والتحذيرات شهد شهر أكتوبر 1966 هطولا استثنائيا للأمطار؛ إذ بلغ إجمالي الكمية 170 مليمترا خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الشهر، وسقط ما يقرب من نصفها في الأسبوع الأخير. أدى تسرّب المياه إلى داخل كومة المخلفات إلى تشبّع المواد المكوّنة لها، فصارت غير مستقرة. كان سكان أبيرفان قد طالبوا مرارا "المجلس الوطني للفحم" بإزالة أكوام المخلفات، بما في ذلك مناشدات رسمية من مجلس المدرسة. لحظة الانهيار لاحظ العمال المكلفون بمراقبة الكومة صباح يوم 21 أكتوبر، وتحديدا حوالي الساعة 7:30 صباحا، أنها بدأت تتهاوى؛ فأمر المشرف بإيقاف العمل. في الساعة 9:15، اهتزت الكومة فجأة، واندفعت كتلة هائلة تُقدّر بنحو 110 آلاف متر مكعب من الصخور والطين المشبع بالمياه نحو أسفل المنحدر بسرعة بلغت 70 كيلومترا في الساعة. تحوّل الانهيار فعليا إلى تدفق طيني قاطع مسافة 460 مترا تقريبا، وطمر مدرسة بانتغلاس الابتدائية والمنازل المجاورة بشكل كامل. كانت الدراسة قد بدأت في المدرسة عند الساعة التاسعة صباحا. وبحسب شهادات شهود العيان، بدأت المصابيح تتأرجح أولا، ثم تلا ذلك دويّ هائل يشبه صوت طائرة تقترب. وبعد الانهيار، طُمرت أربعة فصول دراسية بالكامل تحت الأنقاض. الإنقاذ والضحايا شرع السكان المحليون فورا في الحفر وسط الأنقاض بأيديهم ومجارف الحدائق. وبعد نحو 20 دقيقة، انضم إليهم عمال المناجم، ثم وصل رجال الإطفاء والطواقم الطبية وعناصر الدفاع المدني. عُثر على آخر الناجين، وهو صبي يدعى جيف إدواردز، حوالي الساعة الحادية عشرة صباحا. بعد ذلك لم يُعثر تحت الأنقاض إلا على جثث الضحايا. وبحلول صباح يوم 22 أكتوبر، كانت قد انتُشلت 111 جثة، وجرى التعرف على 51 منها. ومن بين 144 حالة وفاة، كان هناك 116 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 7 و10 سنوات، ولقي 109 أطفال حتفهم في مدرسة بانتغلاس الابتدائية، وكان بين الضحايا خمسة معلمين. كما أُصيب 6 من البالغين و29 طفلا آخرين. التحقيق والمساءلة في 25 أكتوبر 1966، وبعد صدور قرارات برلمانية، عيّن وزير الدولة لشؤون ويلز لجنة للتحقيق في أسباب الكارثة. استمر التحقيق 76 يوما، استُمع خلالها إلى 136 شاهداً، وفُحص 300 دليل. وخلصت اللجنة، برئاسة القاضي إدموند ديفيز، إلى أن "المجلس الوطني للفحم" يتحمل المسؤولية عن الكارثة. مع ذلك لم تُوجّه أي تهم جنائية إلى إدارة المجلس أو العاملين فيه، ولم تُفرض غرامة مالية على المجلس. وصف التقرير الكارثة بعبارة شهيرة بأنها "حكاية مرعبة عن سوء الإدارة والعجز الفادح لدى كثير من الرجال الذين أُسندت إليهم مهام لم يكونوا مؤهلين لها إطلاقا، وعن الفشل في الاستجابة لتحذيرات واضحة، وعن غياب تام للتوجيه من المستويات العليا". ظلت كارثة أبيرفان جرحا غائرا في الذاكرة البريطانية، ولم تكن مجرد حادث مأساوي عابر، بل كشفت عن خلل عميق في منظومة المسؤولية والسلامة. أصبحت هذه الكارثة رمزا للثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون، والأطفال على وجه الخصوص، عندما تُقدَّم الاعتبارات الإدارية والاقتصادية على حساب أرواح الناس. لهذا بقيت أبيرفان درسا إنسانيا في ضرورة الإنصات إلى التحذيرات، والمساءلة الجدية، وعدم الانتظار حتى يقع ما لا يمكن إصلاحه. المصدر: RT