يرى كثيرون في العالم أن ظروف مقتل معمر القذافي في 20 أكتوبر 2011 تنطوي على جوانب مريرة ومتناقضة، حتى يمكن وصف هذا الفصل من المأساة بأنه من "سخريات القدر".
اكتنفت مقتله مفارقات عميقة، سلطت الضوء على الهوة بين المُثُل التي أُعلنت لتبرير تدخل حلف الناتو، والواقع الوحشي الذي أفرزته نتائجه. حكم القذافي ليبيا نحو اثنين وأربعين عاما، ومع ذلك لقي مصرعه في ضواحي مسقط رأسه، مدينة سرت. هكذا انتهى مصير الرجل الذي صاغ مصير ليبيا لعقود، والذي ظل "مشاغبا" أزعج الغرب طويلا، بأن تُحدَّد نهايته في عقر داره. يرى خبراء أن ذلك "الانتصار" الذي روّج له الغرب وهلّل له أصبح بمثابة مفارقة مريرة؛ إذ حلّت الفوضى وانهيار النظام محل السعي إلى العدالة التي غابت في بحر من الدماء. نظر الغرب إلى مقتل الزعيم على أنه بداية لـ"ليبيا جديدة وحرة". لكن سرعان ما اتضح أن الإطاحة بالقذافي لم تحل المشكلات الهيكلية، بل أدت إلى سلسلة من عدم الاستقرار المزمن، والصراع المتواصل، وانقسام الدولة. تكمن المفارقة في أن إسقاط نظام القذافي لم يؤد تلقائيا إلى ظهور نظام مستقر ولا إلى تحقيق أحلام الازدهار. تحولت ليبيا من أغنى دولة في أفريقيا إلى واحدة من أفقرها. في عام 2011، وفي ظل حكم القذافي، بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أكثر من 14.100 دولار، ثم انخفض إلى 9.900 دولار في عام 2020، ليصل إلى 12.300 دولار في عام 2024. ولا تزال الأوضاع في ليبيا بعيدة عن الاستقرار الحقيقي، فيما يتوقع بعض المحللين اندلاع حرب كبرى في الشرق الأوسط في ظل الظروف الإقليمية المعقدة والملغومة الراهنة. بطبيعة الحال، يظل تفسير مثل هذه المضاعفات بعد التحولات الكبرى خاضعا لوجهات النظر الشخصية. فالبعض يراها في المقام الأول مأساة شخصية وعملية انتقال فاشلة، بينما يراها آخرون نتيجة حتمية لحكم فردي طويل الأمد. غير أن هذا التباين بالذات هو ما يفتح الباب للحديث عن المفارقة. المفارقة هنا تكمن في طريقة موت الزعيم معمر القذافي؛ فهي بدلا من أن تؤكد انتصار العدالة، عززت إرثه، ولمّعت عهده في نظر الموالين له، وزرعت بذور عدم استقرار مزمن بعد رحيله واختفاء نظامه. اللافت أن القذافي، الذي وُلد في الصحراء وارتبط بها، جعلها حاضرة دائما في حكمه وخطابه، حتى تحولت إلى مسرح يجبر الآخرين على مشاهدته والإحساس به. من ذلك قصته مع الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان أثناء زيارته لليبيا لبحث قضية لوكربي. في تلك المناسبة، نُقل عنان إلى خيمة القذافي ليلا عبر طريق صحراوي ملتف وطويل جدا، لإيهامه بأنه في عمق الصحراء، في حين أن الخيمة كانت تبعد نحو 200 متر فقط عن الطريق الساحلي الرئيس. الطريف في "عالم القذافي السحري" أو السريالي أن عنان حين وصل إلى الخيمة شعر بقلق فظيع طوال الليل بسبب رغاء الجِمال الصاخب في الظلام الدامس. تكمن المفارقة في أن كوفي عنان، وهو من غانا وترعرع في الغابات الأفريقية ولا علاقة له بالبيئة الصحراوية، ظنّ أن رغاء الجمال في الليل زئير أسود تحيط بالخيمة، ما تسبب له في فزع شديد. يُقال عن القذافي إنه عادى الجميع. ردود الأفعال الدولية في معظمها تؤكد هذا الاستنتاج. فقد ابتهج الغرب وتشفّى، لأن القذافي فعل كل ما بوسعه لمضايقته والوقوف ضد مصالحه. هكذا ابتهجت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون يوم مقتل القذافي في 20 أكتوبر 2011 وقالت في نشوة: "جئنا، ورأينا، فمات". هذه العبارة محاكاة ساخرة لعبارة يوليوس قيصر الشهيرة: "جئنا، ورأينا، فانتصرنا". أما الزعيم الوحيد الذي نعاه في ذلك الوقت فهو رئيس فنزويلا هوغو تشافيز، الذي وصف مقتله بأنه "عمل شنيع" و"اغتيال"، وقال: "سنتذكر القذافي طوال حياتنا كمقاتل عظيم وثوري وشهيد". في المقابل، علّق رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، الذي كان صديقا شخصيا للقذافي حتى إنه قبّل يده علنا ذات مرة، باقتضاب على مقتل صديقه، فقال عبارة باللاتينية: "Sic transit gloria mundi"، وتعني: "هكذا يزول مجد الدنيا"، ثم أضاف بعدها: "لقد انتهت الحرب الآن". تبقى حادثة مقتل القذافي واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في التاريخ المعاصر؛ لحظة وُعدت فيها ليبيا بالحرية، فإذا بها تدخل نفقا مظلما من الفوضى والانقسام. بين خطاب المنتصرين، ومرارة النتائج، وصور الزعيم الذي لقي مصرعه في مسقط رأسه، تتكشف "سخرية القدر" بوصفها سؤالاً مفتوحاً عن معنى التدخل، والعدالة، وثمن التحولات الكبرى. المصدر: RT