تثير الهزات الأرضية المتتالية التي شهدها جنوب تركيا خلال الفترة الماضية، تساؤلات حول النشاط الزلزالي الراهن، وارتباطه بالبنى الصدعية، وانعكاسه المحتمل على سوريا، ولا سيما شمالها.
وأشار تقرير للمركز الوطني للزلازل في سوريا، أعده رئيس قسم البحوث والتطوير (التكتونيك الحديث) في المركز، سامر زيزفون، ورئيسة دائرة الإنذار المبكر أحلام خليل، إلى تسجيل سلسلة من الهزات المتقاربة مكانياً وزمانياً في ولاية أضنة جنوب تركيا مطلع أكتوبر الجاري، تراوحت مقاديرها بين 3 و5 درجات، وعلى أعماق ضحلة، ضمن بيئة تكتونية معقدة تتأثر بحركة الصفائح الأرضية والإجهادات المتراكمة على الفوالق. وأوضح زيزفون في تصريح لـ سانا أن تقارب الهزات مكانياً وزمانياً، إلى جانب تشابه أعماقها، يعكس نمطاً زلزالياً عنقودياً، يرجح ارتباطه بنشاط ضمن بنية صدعية محلية في القشرة الأرضية، ربما تعرضت لإعادة التنشيط تحت تأثير الإجهادات التكتونية الإقليمية، مبيناً أن هذا الحدث يشكل معطى مهماً عند دراسة التطور الزماني والمكاني للنشاط الزلزالي في المنطقة. ووفق زيزفون فإن تفسير الهزات المتتابعة يرتبط بآلية إعادة تنشيط البنى الصدعية الموجودة مسبقاً، إذ يمكن أن يؤدي تراكم الإجهادات في جزء من الفالق إلى حدوث انزلاق محدود يحرر جزءاً من الطاقة المتراكمة، ويعيد توزيع الإجهادات على القطاعات المجاورة، ما قد يزيد قابلية بعضها للانزلاق وحدوث هزات لاحقة. وأكد أن هذه العملية يمكن أن تتكرر عبر قطاعات متجاورة من البنية الصدعية، فتظهر على شكل سلسلة من الهزات المتقاربة مكانياً وزمانياً وعمقياً، مشيراً إلى أن التأكد من انتقال الإجهادات بين الهزات يتطلب إجراء حسابات متخصصة لإجهادات كولوم، ولا يكفي الاعتماد على الترتيب الزمني للهزات وحده. من جانبها أشارت الدكتورة خليل، إلى أن منطقة الهزات تقع ضمن نطاق تكتوني شديد التعقيد والنشاط في جنوب تركيا، ويتأثر بالتشوهات الناتجة عن حركة الصفيحة العربية باتجاه الشمال والشمال الغربي بالنسبة إلى أوراسيا، بمعدل يقدر بنحو 16 إلى 18 ميليمتراً سنوياً، إلى جانب حركة الصفيحة الأناضولية نحو الغرب والجنوب الغربي. ولفتت خليل إلى أن هذه الحركات تسهم في توزيع التشوهات على شبكة واسعة من الفوالق الرئيسية والثانوية، تشمل فوالق عكسية ودسرية وانزلاقية، تختلف في اتجاهاتها وخصائصها، وقد تتراكم الإجهادات على بعض قطاعاتها، ما يجعلها أكثر قابلية للانزلاق عند توافر الظروف المناسبة.
وأضافت أن زلزال كهرمان مرعش الذي وقع في السادس من شباط 2023 يُعد من الأحداث المهمة عند دراسة تطور الإجهادات في المنطقة، إذ أسهم في إعادة توزيعها على عدد من البنى التكتونية، ما أدى إلى تغير ظروف الإجهاد في قطاعات مختلفة، فأصبحت بعض الأجزاء أكثر قابلية للانزلاق، في حين تراجعت هذه القابلية في أجزاء أخرى. وبحسب خليل تكتسب متابعة النشاط الزلزالي في جنوب تركيا أهمية بالنسبة إلى سوريا، ولا سيما المناطق الشمالية القريبة من الحدود، حيث يمكن أن يشعر السكان بالهزات التي تقع في الجانب التركي تبعاً لمقدارها وعمقها وبعدها عن المناطق المأهولة، فضلاً عن طبيعة التربة والبنية الجيولوجية المحلية. وفيما يتعلق باحتمال استمرار النشاط أو تطوره إلى هزات أقوى، بينت خليل أن تسجيل سرب زلزالي متقارب لا يكفي وحده للجزم بوقوع زلزال أكبر أو تحديد موعده ومكانه، إذ يتطلب تقييم تطور النشاط متابعة مستمرة وتحليلاً متكاملاً للبيانات الزلزالية والتكتونية. وأشارت إلى أن المعطيات تؤكد أهمية مواصلة الرصد والتحليل العلمي للنشاط الزلزالي في جنوب تركيا، بما يساعد على فهم تطور الهزات وتقدير انعكاساتها المحتملة على سوريا، مع ضرورة تجنب التنبؤات غير المستندةإلى أدلة علمية كافية. وتشهد المنطقة خلال السنوات الأخيرة نشاطاً زلزالياً ملحوظاً، تأثرت به سوريا، كان أبرزه كارثة الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد في السادس من شهر شباط عام 2023، وخلّف عدداً كبيراً من الضحايا وأحدث دماراً هائلاً بالمباني.
المصدر: "سانا"