في الثاني من أكتوبر عام 1946، عُرض على التلفزيون الأمريكي، للمرة الأولى، مسلسل «فاراواي هيل»، الذي يُعدّ أول مسلسل تلفزيوني في العالم.
أُطلق على هذا النوع لاحقًا اسم «أوبرا الصابون»، لأن الشركات الراعية له كانت في الغالب من مصنّعي المنظفات ومواد التنظيف. وبرز هذا النوع أولا في الإذاعة المسموعة، حيث اكتسب شعبية فورية بين ربات البيوت، ثم انتقل بعد ذلك إلى الشاشة الصغيرة. رغم أن أي حلقة من حلقات «فاراواي هيل» لم تُحفظ، فإن هذا المشروع وضع الأساس لنمط السرد القصصي التلفزيوني الذي يحظى اليوم بمتابعة الملايين. أول دراما متسلسلة على الشاشة كان «فاراواي هيل» أول عمل درامي متسلسل من نوع «أوبرا الصابون» في تاريخ التلفزيون. ظهر المصطلح في وقت سابق، إذ كان يشير في ثلاثينيات القرن العشرين إلى الأعمال الدرامية الإذاعية التي تتخللها إعلانات متكررة لمنتجات التنظيف، لكنه ارتبط في النهاية ارتباطًا دائمًا بالمسلسلات التلفزيونية الموجّهة إلى ربات البيوت. هكذا وضع مسلسل «فاراواي هيل» حجر الأساس لتقليد السرد القصصي التلفزيوني طويل الأمد. عُرض هذا العمل غير المسبوق على شبكة «دومونت»، التي دخلت التاريخ باعتبارها أول شبكة تلفزيونية تجارية في الولايات المتحدة. الحبكة وظروف البث عُرضت حلقات المسلسل في الفترة من الثاني من أكتوبر إلى الثامن عشر من ديسمبر عام 1946. أُنتج ما مجموعه تسع عشرة حلقة، مدة كل منها نصف ساعة، إلا أنه لم تتبقَّ أي تسجيلات للمسلسل، إذ لم تظهر تقنية تسجيل إشارات البث التلفزيوني على شريط سينمائي إلا في عام 1947. تتمحور قصة المسلسل حول امرأة أرملة من نيويورك تُدعى «كارين سانت جون». تنتقل هذه المرأة إلى بلدة صغيرة للعيش مع أقاربها، ثم تقع في حب رجل كان مخطوبا لابنة أختها. كانت الحبكة جريئة للغاية بالنسبة إلى أربعينيات القرن العشرين، لأنها تناولت موضوعات تتعلق بالأخلاق والأسرة والاختيارات الشخصية. إنتاج متواضع وحلول مبتكرة بُثّ المسلسل مباشرة على الهواء، فيما بلغت ميزانية الحلقة الواحدة نحو ثلاثمائة دولار. نظرا لذلك، لم يكن لدى الممثلين وقت كاف لحفظ حواراتهم، وكان يتعين عليهم ارتجال جزء كبير من الحوار خلال تدريبات وجيزة تسبق البث. من السمات البارزة الأخرى في هذا النوع من الأعمال الدرامية المتسلسلة استخدام «صوت الراوي العليم» الذي ينقل أفكار الشخصيات إلى الجمهور، مع اختفاء الموسيقى الخلفية تدريجيا خلال تلك اللحظات. ساعد استخدام «الصوت العليم» أو التعليق الصوتي للتعبير عن أفكار الشخصيات المشاهدين على استيعاب دوافع الشخصيات بسرعة، وحافظ على تفاعلهم في ظل بساطة الحبكة الدرامية واستعجال الأداء التمثيلي الناتج عن قيود البث في ظروف ذلك الوقت. النهاية والأثر اختُتم المسلسل بحدث درامي تمثّل في وفاة بطلة العمل «كارين سانت جون»، وهو تطور أثار استياء نحو أربعمائة من المعجبين. على الرغم من قصر فترة عرضه، شكّل مسلسل «فاراواي هيل» محطة بارزة في تاريخ التلفزيون. نقل هذا المسلسل الأول على مستوى العالم نموذج «الأوبرا الصابونية» من الإذاعة إلى الشاشة، حيث قدّم قصصا ميلودرامية يومية أو أسبوعية تستهدف جمهورًا وفيا في الغالب من ربات البيوت، وارتبط حينها ارتباطا وثيقا بالإعلانات عن المنتجات المنزلية. من خلال هذا الشكل، ترسّخ نموذج الرعاية الإعلانية الذي يشارك فيه المعلن بفاعلية في عملية الإنتاج. تجربة غير مربحة لكنها مؤسِّسة قبل ذلك، كان التلفزيون يقدم في الغالب أعمالا درامية مفردة وبرامج منوّعة. وقد أثبت مسلسل «فاراواي هيل» أن المشاهدين مستعدون لمتابعة تطور قصة واحدة أسبوعا تلو الآخر، حتى مع وجود ميزانية متواضعة وموارد تقنية محدودة. مهّد ذلك الطريق لظهور مسلسلات طويلة تمتد فيها الحبكات الدرامية لأشهر أو سنوات، وتتطور فيها الشخصيات بالتوازي مع تطور حياة المشاهدين. لمعرفة ظروف تلك الحقبة، تجدر الإشارة إلى أن عدد الأسر التي كانت تمتلك أجهزة تلفزيون في مدينة نيويورك قُدّر في عام 1946 بنحو ثلاثة آلاف ومئتي أسرة، ويُعتقد أن حوالي أربعمائة منها فقط شاهدت المسلسل. لم يحقق هذا المسلسل أي أرباح، كما أنه لم يتضمن أي فواصل إعلانية. وقد صرّح مبتكره ديفيد لويس في وقت لاحق بأن العمل كان بمثابة تجربة تهدف إلى «اختبار عقل المشاهد»، وأنه تعمّد كتابة نهاية المسلسل لإنهاء القصة. عمل تلفزيوني مفقود اللافت أنه لا يوجد الآن أي أثر من هذا المسلسل؛ فلم تُحفظ أي حلقة منه، ولا نصوص سيناريو، ولا حتى صور ثابتة أو مواد صحفية متبقية من هذا العمل، ما يجعله واحدا من أكثر الأعمال التلفزيونية «المفقودة» في تاريخ التلفزيون. يُعزى ذلك إلى حد كبير إلى أن تقنيات تسجيل البث التلفزيوني لم تكن متاحة في ذلك الوقت. يبقى «فاراواي هيل» نموذجا مبكرا على قدرة التلفزيون على تحويل الحكايات اليومية البسيطة إلى سرد متسلسل يربط المشاهد بالشخصيات أسبوعا بعد أسبوع، حتى لو لم يبق من العمل نفسه سوى ذكريات وروايات تاريخية. المصدر: RT