وصف خبراء مصريون اتهام رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية برهانو جولا لمصر بدعم جبهة تيغراي وفصائل مسلحة بأنه تصعيد لافت يرتبط بأبعاد داخلية وخارجية للأزمة الإثيوبية.
واتهم رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية مصر والسودان وقوى أجنبية أخرى بدعم وإمداد التحالف المسلح الجديد، معتبرا أن جبهة تحرير شعب تيغراي وإريتريا لا تملكان القدرة على مواجهة الحكومة الفيدرالية منفردتين، لولا ما وصفه بالدعم الخارجي.
وقال الخبير العسكري والمفكر الاستراتيجي المصري اللواء سمير فرج إن توقيت التصريحات الإثيوبية يرتبط، في تقديره، بالتطورات المتسارعة داخل البلاد، ولا سيما بعد نجاح سبع جبهات وفصائل إثيوبية في تشكيل تحالف يستهدف حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
وأوضح فرج في حديثه لـ RT Arabic أن الحكومة الإثيوبية تواجه للمرة الأولى تقريبا مشهدا تتجمع فيه أطراف مسلحة متعددة على هدف واحد، معتبرا أن اتهام مصر والسودان بتقديم الدعم يمكن أن يمثل محاولة للتغطية والتبرير الخارجي للتقدم الذي تحققه تلك الجماعات، بدلا من التركيز على طبيعة الأزمة الداخلية.
وأكد أن "مصر ليست لديها مثل هذه السياسة إطلاقا"، مشددا على أن القاهرة منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم "لا تتبنى سياسة دعم الفصائل المسلحة أو التدخل بهدف تغيير أنظمة الحكم بالقوة".
ورأى الخبير العسكري أن التصريحات الإثيوبية يمكن أن تخدم من وجهة نظره أهدافا تتعلق بالاستهلاك الداخلي والخارجي، عبر الإيحاء بوجود أطراف إقليمية تقف خلف التحركات المسلحة في وقت تواجه فيه الحكومة تحديات أمنية وسياسية متزايدة.
وشدد فرج على أن مصر لا تحتاج إلى الدخول في سجال علني مع المسؤول الإثيوبي، معتبرا أن الاتهامات المرسلة لا تستدعي ردا رسميا ما لم تقدم أدلة ملموسة مثل ضبط أسلحة أو معدات أو وسائل دعم يمكن نسبها إلى القاهرة.
وقال إن الرد على كل اتهام من هذا النوع قد يفتح الباب أمام سلسلة من الاتهامات المتبادلة، بينما "الموضوع كله من أوله إلى آخره" لا يستدعي، بحسب تقديره، ردا مصريا ما لم تظهر وقائع مادية تستوجب التعليق.
من جانبه قال أستاذ العلاقات الدولية المصري الدكتور حامد فارس إن اتهام رئيس أركان الجيش الإثيوبي لمصر يمثل "منحى جديدا في التصعيد"، مؤكدا أن القاهرة "لن تدعم بأي حال من الأحوال فصيلا مسلحا أو محاولة لقلب نظام الحكم في إثيوبيا".
وأضاف فارس في حديثه لـ RT Arabic أن الأزمة الإثيوبية تجاوزت الصراع التقليدي بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي، بعد إعلان تحالف يضم سبع جماعات مسلحة وسياسية من مناطق مختلفة في البلاد، بينها جبهة تيغراي وحركة فانو الأمهرية، وهما طرفان كانا على طرفي نقيض خلال الحرب التي شهدتها البلاد بين عامي 2020 و2022.
وأشار إلى أن اتساع رقعة المواجهة وتعدد الأطراف المسلحة يعكسان، في تقديره، أزمة داخلية أكثر تعقيدًا، مؤكدًا أن مصر «ليس من مصلحتها بأي حال من الأحوال سقوط الحكومة الفيدرالية بهذا الشكل»، لما قد يترتب على انهيار مؤسسات الدولة من تداعيات إقليمية، بما في ذلك ملف مياه النيل وسد النهضة.
وأكد فارس أن القاهرة رغم خلافاتها وتحفظاتها على بعض السياسات الإثيوبية، لا تتبنى سياسة التدخل في الشأن الداخلي لإثيوبيا، ولا ترى في دعم الجماعات المسلحة وسيلة للتعامل مع الخلافات القائمة بين البلدين.
ويرى فارس أن الزج باسم مصر في الأزمة، وصدور الاتهام عن رئيس أركان الجيش الإثيوبي تحديدًا، قد يكون موجهًا بدرجة كبيرة إلى الداخل الإثيوبي، من خلال تحميل أطراف خارجية جانبًا من المسؤولية عن التحديات الأمنية التي تواجه الحكومة.
وتأتي هذه التصريحات الإثيوبية في وقت تشهد فيه البلاد تصعيدا جديدا؛ إذ أعلنت سبع جماعات مسلحة تشكيل "تحالف القوات الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء" بهدف الإطاحة بحكومة آبي أحمد، بينما شهد إقليم تيغراي تجددا للقتال بين القوات الإقليمية والقوات الفيدرالية.
وكانت الحكومة الإثيوبية قد اتهمت إريتريا أيضا بدعم التحالف الجديد، بينما نفت أسمرة هذه الاتهامات. وتعود جذور الأزمة الحالية إلى تداعيات الحرب التي اندلعت في تيغراي عام 2020، وانتهت باتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، إلا أن الخلافات بشأن تنفيذ الاتفاق وترتيبات السلطة والأراضي ونزع السلاح ظلت قائمة، قبل أن تتصاعد التوترات مجددًا خلال عام 2026.
ويرى الخبراء أن استمرار الاتهامات المتبادلة بالتزامن مع اتساع التحالفات المسلحة وتجدد القتال في شمال إثيوبيا، يضيف بعدا إقليميا إلى أزمة داخلية معقدة، خصوصًا أن إثيوبيا ترتبط بملفات شديدة الحساسية مع دول الجوار، وفي مقدمتها أمن البحر الأحمر ومياه النيل والعلاقات مع السودان ومصر.
القاهرة: محمد الصاحي
المصدر: RT