مرّت أفلام الرعب الروسية بمسار متقطع، من حضورها في السينما الصامتة إلى تراجعها خلال الحقبة السوفيتية، قبل عودتها بموجة جديدة تستلهم الفلكلور والأساطير المحلية.
وقبل تأميم السينما عام 1919، شهدت روسيا، شأنها شأن بلدان أخرى، إنتاج أفلام تنتمي إلى هذا النوع، بينها اقتباسات من الروايات القوطية. لكن السينما السوفيتية سرعان ما ابتعدت عن الرعب، مفضلة الأعمال التي تتناول بناء الإنسان الجديد وقضايا المجتمع وأهداف الدولة. ويقول المنتج السينمائي إيفان كابيتونوف، صاحب أفلام الرعب "ملكة البستوني: الطقس الأسود"، و"العروس"، و"روسالكا: بحيرة الموتى"، إن أفلام الرعب الروسية كنوع سينمائي كادت تغيب تماما خلال الحقبة السوفيتية. ومن أبرز الاستثناءات فيلم "فيي" الصادر عام 1967، والمقتبس من قصة للكاتب نيقولاي غوغول، وفيلم "الصيد البري للملك ستاخ" الذي أُنتج عام 1979 في استوديو "بيلاروس فيلم"، استنادا إلى رواية للكاتب البيلاروسي فلاديمير كوروتكيفيتش. التسعينيات وظهور أعمال مفصلية شهدت تسعينيات القرن الماضي عودة محدودة لأفلام الرعب، مع أعمال مثل "نبع الأفاعي" و"اللمسة". ويبرز فيلم "اللمسة"، الذي أخرجه ألبرت مكرتشيان عام 1992، بوصفه أحد الأعمال المفصلية في تاريخ هذا النوع من السينما الروسية. وعلى خلاف أفلام الرعب التي تعتمد على المؤثرات الدموية والمشاهد الصادمة والمكياج المخيف، يستمد الفيلم قوته من بناء أجواء التوتر والخوف من دون اللجوء إلى هذه العناصر، بحسب المخرج يفغيني كوليادينتسيف، الذي يرى أنه يستحق مكانته بين أكثر أفلام الرعب المحلية إثارة للخوف. ويشير كوليادينتسيف إلى أن الفيلم لم يكتف بالبقاء في ذاكرة محبي هذا النوع، بل خضع مؤخرا للترميم وأُعيد طرحه في دور العرض. وفي عام 2007، قدم المخرج بافيل رومينوف فيلم "بنات ميتات"، لكنه لم يحقق نجاحا تجاريا كبيرا. موجة جديدة منذ عام 2015 بدأت موجة جديدة من أفلام الرعب الروسية عام 2015 مع فيلم "ملكة البستوني"، قبل أن تتوسع بفضل أعمال المخرج سلافا بودغايفسكي، ومنها "العروس" و"روسالكا: بحيرة الموتى". وبعد فترة من التراجع تأثر خلالها القطاع بتداعيات جائحة كورونا، عاد الاهتمام بهذا النوع من الأفلام إلى الارتفاع، وفق تقديرات العاملين في الصناعة. ويقول كابيتونوف إن العمل على فيلم "ملكة البستوني" كشف عن افتقار الممثلين الروس آنذاك إلى خبرة كافية في أداء أدوار الرعب، ولا سيما التعبير عن مشاعر التوتر والفضول والخوف، أو تجسيد شخصية تدرك الخطر لكنها تواصل التقدم نحوه. ولهذا نظم فريق الإنتاج عروضا لأفلام رعب غربية بارزة أمام الممثلين، كما درس العاملون في التصوير والإضاءة الأساليب المستخدمة في بناء الأجواء المرعبة. ويؤكد المنتج أن لهذا النوع تقنيات خاصة ينبغي إتقانها، شأنه شأن الأنواع السينمائية الأخرى. ويرى كابيتونوف أن قدرة أفلام الرعب على الوصول إلى جمهور دولي تعود إلى عالمية مشاعر الخوف، بخلاف الكوميديا التي ترتبط في كثير من الأحيان بالسياق الثقافي والخصوصيات الوطنية. ويضيف أن اعتماد هذه الأفلام على الفكرة والحبكة أكثر من اعتمادها على شهرة الممثلين يجعلها مناسبة أيضا للإنتاج بميزانيات محدودة. الفلكلور الروسي بوصفه مصدرا للخوف كثيرا ما يستلهم صناع أفلام الرعب الروس حكايات الفلكلور والأساطير السلافية والحضرية، لكن الملامح الفنية المميزة لهذا النوع في روسيا لا تزال في طور التشكل. ويعزو كوليادينتسيف ذلك إلى محدودية الإرث السينمائي المحلي في هذا المجال، نتيجة غياب أفلام الرعب عن الإنتاج السوفيتي حتى مرحلة البيريسترويكا، باستثناء أعمال مثل "فيي"، الذي استند أساسا إلى نص أدبي كلاسيكي. ويضيف أن أفلام الرعب الغربية شكلت مرجعا رئيسيا لصناع السينما الروس في تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة، لكن نقل أساليبها إلى البيئة المحلية لم يكن ناجحا دائما. ويرى المخرج أن أمام السينمائيين الروس اليوم مسارين أساسيين: العودة إلى الجوانب المظلمة من الفلكلور السلافي وغيره من التقاليد الشعبية، أو تقديم قصص مرعبة في بيئات معاصرة مألوفة للجمهور، على غرار ما فعله فيلم "اللمسة"، الذي لا يزال، في رأيه، نموذجا ناجحا لأفلام الرعب الروسية.
المصدر: موقع مترو