IMG-LOGO

على حافة السكين.. هل تشتري دول الخليج العربية استقرارها بـ الـ 2.4 تريليون دولار؟

سياسة - 18:23 04-09-2026
على حافة السكين.. هل تشتري دول الخليج العربية استقرارها بـ الـ 2.4 تريليون دولار؟

تفرض الحرب الأمريكية الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة مع طهران واقعاً جيوسياسياً شديد التعقيد يعيد هندسة الولاءات في منطقة الخليج، ويضع استراتيجية "الحياد النشط" أمام اختبارها الأصعب. ورغم أن عواصم مجلس التعاون الخليجي تتكئ اليوم على ثقل اقتصادي هائل، حيث كشف المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي في تقريره الأحدث أن الناتج المحلي الإجمالي الجاري للمجلس بلغ نحو 2.4 تريليون دولار، إلا أن السيولة السياسية الراهنة وضغوط واشنطن تحت شعار "صفر تسامح" تكشف أن المزايا المالية وحدها قد لا تكفي لشراء استقرار مستدام في بيئة تشتعل بالصراعات الجيوسياسية.

معضلة التوازن: كيف تتحرك عواصم الخليج بين الطموح الاقتصادي والهاجس الأمني؟



تتفاوت هوامش المناورة السياسية بين دول المجلس بناءً على أولوياتها الداخلية وحجم أوراق القوة التي تمتلكها. فالمملكة العربية السعودية، ورغم نجاحها الدبلوماسي في تطبيع العلاقات مع إيران، تواجه تحدي الموازنة بين طموحات "رؤية 2030" والتوترات المحيطة؛ إذ أظهرت بيانات وزارة المالية السعودية للربع الأول تسجيل عجز فصلي بلغ نحو 33.5 مليار دولار بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق العسكري بنسبة 26%، مما يبرز حجم الكلفة الاقتصادية للمخاطر الإقليمية.


وعلى نحو قريب، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بنموذجها الاقتصادي الجاذب، غير أنها تسعى جاهدة لتحييد منشآتها عن الصراع؛ وفي هذا الصدد جاء تصريح أنور قرقاش، مستشار الرئيس الإماراتي، ليؤكد بوضوح:


"إن استهداف دول الخليج خيار استراتيجي آثم أخطأ الهدف، ونطالب بإشراك دول الخليج في أي جهود تهدف إلى التهدئة والتوصل إلى مخرج سياسي للحرب".


وفي المقابل، تلعب الدوحة دور الوسيط لخفض التصعيد، لكن موازنتها الدقيقة تظل تحت مجهر المخاطر الجيوسياسية، لا سيما مع اعتماد اقتصادها على قطاع الطاقة؛ حيث أشارت تقارير مؤسسة Geopolitical Monitor إلى أن البنية التحتية للغاز المسال في منطقة "رأس لفان" القطرية تظل إحدى النقاط الحساسة التي تتأثر مباشرة بأي اضطراب أمني في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس تجارة الغاز المسال العالمية.



أما في بقية عواصم المجلس، فيبدو المشهد أكثر حساسية؛ فسلطنة عُمان التي لطالما كانت "الوسيط الصامت" تجد نفسها تحت ضغوط أمريكية غير مسبوقة للحد من مسارات التهدئة التقليدية مع طهران. وفي الكويت، يلقي الشلل السياسي الداخلي بظلاله على الفاعلية الخارجية.


في حين تبقى البحرين، بحكم موقعها الجغرافي واستضافتها الرسمية لمقر الأسطول الخامس الأمريكي، الطرف الأكثر تأثراً بأي شرارة مواجهة عسكرية مباشرة في مياه الخليج.


شبكة التحالفات الجديدة: خروج من العباءة الأمريكية ودبلوماسية "حافة السكين"


لم يعد مشهد النفوذ حكراً على المحاور التقليدية المعتادة، بل أفرزت الأزمات المتلاحقة شبكة تحالفات مرنة تتجاوز الصيغ القديمة.


وتتجلى هذه السيولة في محور أنقرة وطهران، حيث تعيش العلاقات حالة من "التنافس الحذر" في ملفات القوقاز وسوريا، في وقت تحاول فيه تركيا اللعب على وتر التوازن مستفيدة من اتفاقيات الدفاع والتعاون الجديدة مع بعض القوى الإقليمية.


في المقابل, يتشكل مربع جيوسياسي يربط مصر بالمنظومة الخليجية كشريك أمن وطاقة حيوي.


وتتجلى الرؤية المصرية للأمن الإقليمي في التصريحات الحاسمة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه الأخير بوزير الخارجية الإيطالي، حيث شدد على أن:


"ضمان أمن البحر الأحمر هو مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، ومصر ترفض قاطعاً أي محاولات لتدويل الممر المائي أو دفعه نحو العسكرة".


هذا الموقف يتزامن مع تقارير صندوق النقد الدولي الصادرة في أغسطس، والتي رسمت مسار تعافي إيرادات قناة السويس لتصل إلى 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي المصري بحلول عام 2027/2028 مع تحسن حركة الملاحة.


وعلى الضفة الدولية، يستمر التحول بعيداً عن الاعتماد الأحادي على واشنطن؛ فروسيا والصين تتحركان بنفوذ اقتصادي طاقوي لربط المنطقة بـ"أوبك بلس" ومبادرة "الحزام والطريق".


وبحسب تقرير وكالة رويترز، فإن مصادر خليجية أكدت أن دول الخليج أبلغت واشنطن بصراحة أنها لا تطلب الدخول في حرب نيابة عنها، لكنها تحث على اتخاذ خطوات تضمن حماية مضيق هرمز كشريان حياة أساسي لاقتصاداتها.


إن التحول من التنسيق التقليدي إلى التكامل الحقيقي لا يزال بعيد المنال، فالبراغماتية الاقتصادية لا تكفي وحدها لصناعة أمن إقليمي مستدام ما لم تتوحد الرؤية السياسية لعواصم القرار العربي.


(تنويه: تم تحديث هذا التقرير وإعادة تحريره استناداً إلى أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن المركز الإحصائي الخليجي وصندوق النقد الدولي لعام 2026).

شارك المنشور:

الأكثر قراءة

أهم الأخبار